من بين كل ما كتبته , فقط هذه السطور أشعر بها , أعشقها أقرائها يومياً
عشت معها و كأنى كنت أحد الأشخاص المتواجدون بهاسطور سقوط التشى..تشى جيفارا
سطور حقيقيه .. كل ما ذكر بها حدث و حقائق تاريخيه .. فقط كل ما فعلته الحبكه الأدبيه فى صياغه هذه الحقائق و اللحظات التاريخيه العظيمهكل ما فعلته هو أن عبرت بقلم صادق عن ما دار فى أعين واحد من أعظم الشخصيات النضاليه و الثوريه و لم أجد عنواناً لهذه الملحمه المستحيله علمياً و أستراتيجياً , سوى عنواناً واحداً من كلمتان أسد و كلاب
الزمان : 8 اكتوبر سنة 1967
المكان : بوليفيا
كان الجو رائع فى هذه المنطقه ببوليفيا
نسمات الفجر الأولى بدأت فى الظهور , و ساد جو واضح من الهدوء التام
ألا من صوت هتاف رجل مذعور , يرتدى ملابس عسكريه غير رسميه , و يركض قافزاً بين الصخور كأرنب نشط
<أيها الشى .. أيها الشى .. لقد أدركنا العدو >
أرتفعت نحوه أربع بنادق أليه فى تحفز .. و أحد حامليها يقول فى صرامه
<من أنت يا رجل؟>
أجاب الرجل فى ذعر حقيقى
<أنا أحد رجال الشى فى العاصمه لاباز.. أرجوكم أأتونى بالشى >
<القائد نائم الأن فى خيمته كما ترى .. تستطيع ان تخبرنى ماذا تريد و >
بتر الرجل حديثه فجأتاً , عندما أرتفع صوتاً قوياً فى الجوار يقول
<أتركه يا سيزار .. فهو صديق >
نظر الجميع ألى صاحب الصوت القوى
لقد كان القائد نفسه .. الشى جيفارا شخصياً
رجل طويل القامه و قوى البنيان .. يحمل شعراً طويلاً ثائراً على جانبى وجهه
لحيه ناميه
ملامح وسيمه
عينان حالمتان .. صارمتان
عارى الصدر , فى حين يرتدى سروالاً عسكرياً
<أأتينى بما عندك يا رجل>
كان ينتظرها الرجل المذعور , فما أن سمعها حتى أنطلق يتكلم فى ذعر
<لقد أوشى بنا أحدهم .. لقد أوشو بك أيها القائد .. لقد أستطاعت المخابرات الأمريكيه
الحصول على معلومات مؤكده عن مكان معسكرك السرى هذا عن طريق احدى الخونه , و هناك جيشاً من البوليفيين و رجال المخابرات الأمريكيه فى طريقهم الى هنا >
بدى القلق يشوب على ملامح الشى , الا انه حاول أخفاء هذا و هو يشد قامته , و يقول فى برود
< كم عددهم؟ و متى سيأتون>
<ألف و خمسمئه جندى مدجج بالسلاح .. سوف يظهرون فى الأفق فى أى وقت لقد سبقتهم بمعجزه ألى هنا , أنهم يأتون من أربعه أتجاهات لمحاصره هذا الوادى الضيق الذى تعسكرون به >
هنا بدى القلق واضحاً على ملامح الشى .. فهو خرج بسته عشر رجلاً من رجال الثوره ليقوم بمهمه محدوده , و لم يكن يتوقع هذه الوشايه أطلاقاً
<أيقظوا الرفاق و أستعدوا للمعركه>
قالها الشى فى حزم , فأنطلقت النوبتجيه المكونه من أربعه رجال لأيقاظ بقيه رفاق الثوره فى سرعه
أما الشى فقد دخل خيمته لعده ثوان .. قبل أن يخرج مرتيداً معطفه الخاكى .. ويحمل بندقيه من طراز (م-2) , و يلتف حول جسده حزاماً معلق به مسدس عتيق الطراز
أجتمع الرجال أمامه فى سرعه , حاملين بنادقهم , و منظمين فى صفين
نظر (جيفارا) فى أعينهم , قائلاً فى قوه
< سوف يظهر العدو فى أى وقت .. سنحاول ان نجد الثغره فى هذا الحصار لننفذ منه ألى هذه القريه الفقيره خلف الوادى .. و هناك نحاول الأتصال بأصدقائنا و رجال الثوره و قد ننجو>
بدت العزيمه واضحه فى أعين رجال الشى و هذا قد أسعده , فهتف بهم فى حماس
< علمني وطني بان دماء الشهداء هي التي ترسم حدود الوطن.. لقد قلتها ذات يوم و ما زلت أرددها , فهيا نرسم حدود لوطننا.. هيا كلاً على موقعه < و ما أن قالها حتى أتخذ كل فرد موقعهو من الأفق و من جميع الأتجاهات بدأت تظهر الكتائب البوليفيه المكونه من ألف و خمسمئه جندىضد رجلاً واحداً يقود سته عشر مقاتل بسيط
***
لا تحزني امي ان مت في غض الشباب غدا ساحرض اهل القبور واجعلها ثورة تحت التراب
من مقولات أرنستو شى جيفارا
***
بدأت المعركه ببعض الأنفجارات العنيفه
ثم هجوم من جميع الأتجاهات
طلقات الرصاص فى كل النواحى
صراخ الجنودصعود الأرواح
شخص واحد فقط كان كالأسد الجريح .. رغم نوبات الربو العنيفه ألتى أصابت صدره فى هذه الأيام خاصتاًهذا الشخص كان القائد (شى جيفارا) العظيم وحده كان يقفز مطلقاً الرصاصات فى كل الأتجاهات
كان يزأر كالأسد
لقد حصد أرواح الكثيرين فى هذه المعركهلم يكن رفاقه بأقل شجاعهلقد تحول السته عشر رجلاً , ألى سته عشر كتيبهصمدوا كثيراً.. كثيراً أكثر مما ينبغىكانت معجزه علميه و أستراتيجيه .. أن يصمد سته عشر رجلاً أمام ألف و خمسمئه رجلاًبل أن يخترقوا دائره الحصارففى هذه اللحظات كان الشى يطلق طلقات بندقيته نحو صدور جنود بوليفيا ,ورجال المخابرات الأمريكيهخسر حتى الأن سته من أكفأ رجاله , و أقربهم الى قلبهو لكن ثوراته فى كل مكان علمته ألا يقف كثيراً عند فقدان الأصدقاءعلى الرغم من الدموع الحبيسه ألتى حاولت أن تفر من عينيه تحيه للموتى من رفاق السلاح .. و من أصدقاء عمرهو أصدقاء الثورهو شركاء الحلم ذاتهحلم الحريه< تقدموا .. تقدموا أيها الرفاق .. أوشكنا على أختراق هذه الجبهه >و فى حركه رجل واحدو زئير رجل واحدتقدم الجنود ,بعد هتاف الشى فيهمأطلقوا رصاص بنادقهم فى جسارهسقط ثلاثه أخرونو لكنهم أخترقوا هذه الجبهه تماماً< تحصنوا فى القريه.. تحصنوا فى القريه أيها الرفاق>هكذا صرخ فيهم الشى , ليركض الجميع نحو هذه القريهكانت مجرد قريه فقيره معدمهبها بعض البيوت المتهالكه , التى أختبأ أهلها بها فى خوفو أثناء هذا الأنسحاب .. كان الشى و أحدى أقرب أصدقائه ألى قلبه , فى وجهه المدفعو بين أنيابهلحمايه ظهر بقيه الرفاق , أثناء الأنسحابطلقه غادره أصابت رفيق العمرصرخه هادره من الشى لتعزى هذا الصديقو أنسابت القوه بين عروقه أكثر و أكثرو أستطاعت دمعه حزينه أن تفر على وجهه , ليشعر بمذاقها المر فى فمهأصابت طلقه قدم الشى اليسرىو اخرى جرحت قدمه اليمنى , لتعبر حامله معاها لحماً و دماًصمد التشى و هو يتراجع نحو هذه القريه عارجاً , و رفاقه يسبقوه أليهاكان الأخير أليها كى يتأكد على سلامه ما بقى من رفاقهطلقه أخرى أصابت بندقيته لتحطمهاحطمت الطلقه البندقيه ألتى حصدت الكثير من أرواح الجنود المستبدينأخرج مسدسه من جرابهأطلق عده طلقات منه , ثم توارى بنجاح داخل القريهو خلفه و فى تكتيك منظم للغايه , ألتف الجنود البوليفيين فى نصف دائره حول القريهو بدأوا فى أقتحامهاو فى طريقهم , داسوا بأقدامهم القذره على رفاق الشى .. و أصدق أصدقائه فى الثوره
***
الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات !! كل دموع الارض لا تستطيع ان تحمل زورقا صغيرا يتسع لابوين يبحثان عن طفلهما المفقود
من مقولات أرنستو شى جيفارا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
< يا ألهى لقد أصابوا قدمك بجروح خطيره أيها الشى>
<نفديك بأرواحنا يا قائدنا .. أنسحب أنت و نحن سنحمى ظهرك , فيبدو أن نوبه الربو قد عاودتك بشده>
و بالفعل , لقد أرتفع صوت الصفير المميز للربو بشده من صدر الشى , و بدى أنه يتنفس بصعوبه
و رغم ذلك فلقد شد قامته فى أعتداد , قبل أن يقول , للخمس جنود المتبقيين من كتيبته الصغيره
<حفاة على الجمر نسير وعلى الجمر تحترق امنياتنا, سنين الشوك غرسوها في صدورنا, فأنبتت جراحا رويناها بالذاكرة>
كان الشى شاعراً عظيماً .. و كان يحمل صفات أى أديب كبير
كل عباراته تدل على ذلكو خطاباته و حتى مذكراته الشخصيه
فكانت هذه الجمله بمثابه أذناً لأحد الرفاق بالبكاءو أذناً لرفيق اخر , بأن يقول
< لقد أنهزمنا .. أنها النهايه>أحمر وجهه الشى غضباً , و هو يقول
< لقد قلت من قبل .. لست مهزوما ما دمت تقاوم>
فكان هذا تصريحاً برفضه للهروب تاركاً رفاقه وحدهم
لقد كان يعرف أنها النهايه
و لكنه عنيدو مقاتل شرس من الدرجه الأولى و فى هذه اللحظات ظهر الجنود البوليفيين و أنطلقت الرصاصات من جديد و رغم جروحه و نوبه الربو .. أثبت أنه أسداً حقيقياً لقد قاتل كما لم يقاتل بشرى من قبل أطلق الرصاصات أنقذ رفاقه عده مرات
كان يتحرك كأله معده للقتال
فذادت جروحه .. تكاثرت أصاباته
و رأى رفاق أخرون يلقون حتفهم بجواره
و بين كل ذلك , مر شريط من الذكريات أمامه عينيه
طفولته
أصابته بالربو ,و نقله ألى قريه جبليه للأبتعاد عن جو المدينه
والديه
دراسته للطب
هوايته فى صيد الفراشات الجميله
رحلاته مع صديق عمره , على دراجه بخاريه
, حول بلاد أمريكا اللاتينيه
فيديل كاسترو
معركه خليج الخنازير
ثوره كوبا
تسى ماو تونج
ماركس
ليلين
لقائه بجمال عبد الناصرثوره الكنغو
ثوره بوليفياو أخيراً زجته الييدا
, و أطفاله و عند هذه النقطه تفجرت العواطف فى قلبه
, صرخ و صرخ و صرخ
كان كالوحش الثائر
مما أخاف أعدائه , رغم كثره عددهم
تراجعوا للخلف قليلاًحدث أنفجاران فى الجوار
سحابه من الأدخنه
ثم هدوء تام يعترى الساحه بأكملها
***
أنا شاهد المذبحة وشهيد الخريطة انا وليد الكلمات البسيطة
من مقولات أرنستو شى جيفارا
***
أنقشعت الأدخنه
و كانت الساحه خاليه , ألا من جثث خمسه رفاق من جنود جيفارا
و أضعاف أضعافهم , من الجنود البوليفيين
دماء فى كل مكانو لم يكن هناك أى أثر للشى
و لكن بين الجثث , كان هناك خزان رصاص
لم يعرفوا فى حينه أنه خزان رصاصات الشى جيفارا, ألذى فقده وسط المعركه
لم يعرفوا فى حينه أنه الأن أعزل من السلاح تماماً , بعد تحطم بندقيته ال (م-2 ) و فقدان ذخيره مسدسه
هكذا أخبرتنا كتب التاريخ
و هذا وحده السبب الذى جعله يكف عن القتال
لولا هذا لكان قتيل بين زملائه
<لقد أختفى جيفارا ايها الجينيرال >
هكذا قالها , كبير رجال المخابرات الأمريكيه .. لقائد جيش البوليفيين
< عجيبه لقد كنت أراه يقاتلنا كالأسد قبل أدخنه قنابلنا >
هنا هتف قائد الجيش , بالأسبانيه المستخدمه فى بوليفيا
<فتشوا كل البيوت .. و كل شبر فى هذه القريه .. و حاصروا المدينه ..و أقتلوا كل شئ يتحرك >
و بعد أن قالها أبتسم , و هو يقول لرجل المخابرات الأمريكى<أطمئن .. هذه نهايته , و لن يفلت هذه المره >
و فى هذه اللحظه كان هناك جنديان , يقتحمان مخزناً للقش
ليجدوا فى أحد أركانه , جسد رجل مضرجاً فى دمائه
أعزل من السلاح
يدخن السيجار الكوبى فى أستمتاع عجيب
صوب الجنديان السلاح نحوه فى تحفز , قبل أن ينظرا لبعضهما فى دهشه
لم يتصوروا أبداً أنهم وجدوا الشى انهم ألقوا القبض على من ذل ناصيتهم لسنوات
ألقوا القبض على أسطوره
على رجل لم يعتبروه بشراً يمكن أن يلقى حتفه مثل الباقيين
و فى دهشه اخرج احدهم صوره للشى , و نظر فيها ليتأكد أن الملقى أمامه أرضاً و يدخن السيجار هو الشى نفسه
و لكن (جيفارا) أبتسم فى سخريه لا تخلوا من الأجهاد و الحزن , قبل أن يقول عبارته الشهيره
<لا تتعجب ..نعم , هو أنا الشى جيفارا>
أن الطريق مظلم وحالك فأذا لم نحترق انت وانا فمن سينير الطريق
من مقولات أرنستو شى جيفارا
***
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق